
تناولت الدراسة الحالية علم الإحصاء في القرآن الكريم كتاب الله و معجزته الخالدة لرسالة الإسلام الرسالة الخاتمة، هذا المجال العلمي الذي يلعب دوراً أساسيا في حياتنا اليومية بدءاً من العد الأولي للأشياء إلى رسم السياسات واتخاذ القرارات، وهدفت الدراسة من خلال تطرقها للإحصاء القرآني إلى التعرف على مدى اهتمام الرسالة الخاتمة بعلم الإحصاء لغة التخاطب العالمي التي لا يختلف عليها اثنان فدليلها العدد والحساب الذي لا يخطئ ، كما هدفت الدراسة كذلك إلى بناء معيار تحكيمي للإعجاز الإحصائي في القرآن الكريم يسهم في حل إشكالية اختلاف الباحثين حول القضايا الإعجازية للإحصاء القرآني ويضبط المسيرة الفكرية في هذا المجال ، كما سعت الدراسة إلى الكشف عن بعض التطبيقات الإحصائية في القرآن الكريم وتقييمها من خلال المعيار الإعجاز للإحصاء القرآني. ولتحقيق أهداف الدراسة استخدم المنهج الوصفي الوثائقي حيث تم تحليل النتاج البحثي في مجالي الإحصاء والإعجاز القرآني وضمنت هذه النتائج في مبحثين: الأول يتعلق بالإحصاء القرآني وحقيقة الإعجاز العلمي وخلصنا من هذا المبحث إلى أداة الدراسة التي سميت ( المعيار الإعجازي للإحصاء القرآني )، أما المبحث الثاني فقد ركز على التطبيقات الإحصائية في القرآن الكريم وتقييمها من خلال أداة الدراسة التي صممت كنتاج للمبحث الأول. ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة ما يلي:
أولاً: إن علم الإحصاء بمفهومه الشامل بدءً من العد الأولي حتى رسم السياسات واتخاذ القرارات من العلوم الأساسية والمهمة حيث تسمى الخالق عز وجل بالمحصي، كما وردت كلمة الإحصاء وتفعيلاتها المختلفة بطريقة مباشرة في إحدى عشر موضعاً في القرآن الكريم، تجمع في مجملها على أهمية الإحصاء الدقيق لاتخاذ القرارات الدقيقة مصداقاً لقوله تعالى: "لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً" [ مريم الآية 94]، ولهذا فإن الإعجاز في المجال الإحصائي حقيقة لا يمكن التغاضي عنها لأنه جزء من المعجزة الخالدة.
ثانياً: لضبط المسيرة الفكرية للعمل البحثي في مجال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وخاصةً المجال الإحصائي، توصلت الدراسة إلى خريطة ذهنية تعين الباحثين في تصنيف نتاجهم البحثي سميت (المعيار الإعجازي للإحصاء القرآني ) وفي ضوئه صنفت النتائج البحثية في المجال الإحصائي إلى ثلاثة مستويات كما يلي :
المستوى الأول : نتائج بحثية عددية كانت أم حسابية أم إحصائية توافقت مع حقائق قرآنية ويمكننا أن نرى الإعجاز من خلالها، ومن
أهمها: * عينة الأرقام الواردة في القرآن الكريم كانت قصدية وذات معنى حيث اشتملت على النظامين الستيني والعشري كما أنها تحمل فكرة الانطلاق للعد إلى مالا نهاية . * المنوال العددي في القرآن الكريم ارتبط بالعدد واحد الذي أرتبط بدوره بحقيقة يدركها كل ذي فطرة سليمة أن الله وأحد لا ثاني ولا ثالث له . * الزوجية وارتباطها المعجز بالعدد اثنان وأن الله خلق من كل شيء زوجين حتى أن الزوجية أصبحت شعار لعلماء الكون وأنها موجودة في كل شيء يضع الإنسان يده عليه . * العدد ثلاثة وارتباطه في آيات قرآنية بالاستئذان ثلاث مرات واحترام حقوق الإنسان ذلك المطلب العصري الذي كان للإسلام السبق إليه قبل أربعة عشر قرن ، كما أن الاستئذان ارتبط بالثلاث عورات للإنسان وتتناسب ذلك مع الساعة البيولوجية في الجسم وإفراز هرمونات النشاط والاسترخاء ، كما ارتبط العدد ثلاثة بحقيقة قرآنية وعلمية أخري وهي خلق الإنسان في ظلمات ثلاث. * العدد ستة ارتبط بخلق السماوات والأرض، والميزة المعجزة للقرآن الكريم مقارنة مع غيره من الكتب السماوية كالتوراة مثلاً، أنه حرر كلمة اليوم من الاعتقاد السائد بأنه أربعة وعشرين ساعة حيث حددت بفترة زمنية متغيرة قد تساوي سنين مما نعد. * العدد سبعة وارتباطه بالدورة المناخية وكذلك حفظ الحبوب من خلال بقائها في سنابلها لكي لا يأكلها السوس. * العدد ثلاثون وارتباطه بحقيقتين قرآنيتين وعلميتين وهما أن أفضل مدة للرضاعة هي حولين كاملين و أقل فترة حمل هي ستة أشهر. * الكسور إقرارها والتعامل معها قبل أربعة عشر قرن بينما العلم الحديث لم يدرك أهميتها إلا قبل مائة عام تقريباً. * عملية الجمع والتركيز القرآني عليها مقارنة مع غيرها من العمليات الحسابية ، وتوصل العلم الحديث إلى أهمية هذه العملية وأنها أساس العمليات الأخرى ولهذا فإنه في بناء الحاسبات الإلكترونية تختزل العمليات الحسابية إلى عملية أساسها الجمع . * ترتيب سور القرآن الكريم وارتباطه بعدد آيات السور القرآنية حيث لا مجال للصدفة في هذا الترتيب المعجز فهو خيار من بين عدد لا نهائي من الخيارات حسب نظرية الاحتمالات وعمليتي التباديل والتوافيق . * التكرار وبعض النتائج المرتبطة به ومنها : التكرار لآيات أو أجزاء منها وارتباطه اللفظي دون المقاصد المختلفة حسب السياق ، وكذلك التكرار لبعض الكلمات المصورة لحقيقة علمية كما في تكرار اليوم والشهر . * النسبة والتناسب كما في كلمتي البر والبحر وتوافق نسبهم التكرارية مع النسب العالمية لتواجدها على سطح الكرة الأرضية. * التوسط والتركيز القرآني على أننا أمة وسط لا تطرف فيها وما يقابل هذا التركيز القرآني من اهتمام علمي بهذا الأسلوب الإحصائي حيث يعتبر أساس العمل في الإحصاء البارامتري .
المستوى الثاني : نتائج بحثية تعد في مرحلة النظرية حيت تتوافق إلى حد ما مع حقائق قرآنية ولكن يصعب تعميمها ورؤية الإعجاز من خلالها بدقة تامة، وبهذا يتم طرحها على أنها تفسير بالرأي بدون جزم، ومن هذه النتائج: * فترة الثقة اللازمة لضمان استبراء الرحم من الحمل وعلاقتها بعدة المطلقة المحددة بثلاثة شهور وعدة المتوفى زوجها المحددة بأربعة أشهر وعشرا. * خلق سبع أراضين وارتباط العدد سبعة بالكثرة أي تعدد الأراضي المشابهة لأرضنا يتنزل الأمر بينهن، حيث هناك في النظام الكوني قابلية للتعميم لكثرة النجوم المشابهة لمجموعتنا الشمسية. * العلاقة بين السنة الشمسية والقمرية وتفسيرها من خلال مدة لبث أصحاب الكهف حيث احتمالية الحدث والتوافق صغيرة بين أن ( 300 سنة شمسية = 309 سنة قمرية ) . * مجموع كلمات النص القرآني ومطابقته لحقيقة وجوهر المسألة التي يصفها أو يسميها . * مجموع كلمات النص القرآني وارتباطه مع غيره من مجاميع النصوص الأخرى التي تصف مسائل متطابقة . * التكرار للكلمات المتناظرة أو المتضادة حيث احتمالية الحدث والتوافق التكراري صغيرة جداً من الناحية العلمية وكذلك في تأليف البشر، كما أن هناك قابلية للتعميم بفكرة معينة تحتاج لمزيد من البحث والدراسة. * النسبية في كلمة اليوم وأنها في علم الله قد تساوي ألف سنة أو خمسين ألف سنة، وارتباطها بقضايا كونية مثل اندماج الزمان والمكان والانكماش الزمني وانحناء المادة والطاقة. * المنحنى التكراري وارتباطه بالحروف المقطعة في أوائل السور وإمكانية الحصول على أشكاله المختلفة ( الالتواء الموجب والسالب والإعتدالى ). المستوى الثالث: نتائج بحثية لم تتمكن من اجتياز ضوابط ومعايير الإعجاز الأولية، كما أنها غير مطردة ويصعب تعميمها، واحتمالية حدوثها كبيرة لارتباط الإعجاز بالعدد ذاته وليس المضمون ، ولهذا تصنف على أنها فرضيات ويستدل منها على تناسق واتساق في القرآن الكريم وتحتاج لمزيد من العمل البحثي للحكم على مدى إمكانية تدرجها في الهرم الإعجازي ، ويفضل طرحها على شكل تساؤلات ومن هذه النتائج :
* السماوات والسبع وتفسيراتها المختلفة بوصفها طبقات الجو المختلفة أو مسارات الكواكب السيارة .
* الكسور وكلمة معشار الموصوفة بأنها تحمل قاعدة الموازين والمكاييل.
* النتائج البحثية المرتبطة بالمنظومات العددية لما فيها من تأويل متكلف وصعوبة تعميمها كما أن احتمالية الحدث كبيرة لان هناك عدد لا نهائي من الاحتمالات حسب عمليتي التباديل والتوافيق.
* النتائج البحثية المرتبطة بحساب الجمل أو ما يسمى بالوزن الرقمي لما فيها من تأويل متكلف وصعوبة تعميمها كما أن احتمالية الحدث كبيرة لان هناك عدد لا نهائي من الاحتمالات حسب عمليتي التباديل والتوافيق وخلصت الدراسة إلى العديد من التوصيات ومن أهمها دعوة الدعاة والباحثين والمنصفين إلى الاستفادة من الإعجاز الإحصائي للقرآن الكريم في الدعوة إلى الله بلغة التخاطب العالمي لغة الأرقام، وكذلك دعوة هيئة الإعجاز العلمي برابطة العالم الإسلامي إلى الاستفادة من أداة الدراسة ( المعيار الإعجازي للإحصاء القرآني )، و تبني هذا الجانب المعجز وإعطاء فرصة اكبر للبحث والنشر وخصوصاً إذا توافقت النتائج البحثية مع حقائق قرآنية. كما تدعو الدراسة الهيئة و المراكز البحثية و المؤسسات العلمية والمبرمجين إلى عمل برامج حاسوبية تسهم في كشف المزيد من أسرار هذه المعجزة الخالدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق